سبق لجيلاني وداناواي أن شاركا في عمليتي فصل توائم ملتصقة
تنتج حالة التوائم الملتصقة من تلقيح بويضة واحدة وبالتالي يكون التوأمان متماثلين.
وثمة نظريتان لسبب الالتصاق – إما أن انفصال أحد الجنينين عن الآخر حدث متأخرا فظل أحد التوأمين ملتصقا بالآخر جزئيا، أو حدث الانفصال فعلا في
الرحم ثم لقرب الجنينين التصق التوأمان واندمج بجزء من جسم الآخر مع النمو.
وحين تحدث تلك الحالة فعادة ما يكون الالتصاق عند الصدر أو البطن أو الحوض.
ولكن
حالة صفا ومروة وضعت أطباء مستشفى غريت أورموند أمام تحديات عديدة، فالبنتان ملتصقتان من قمة رأسيهما بينما يتجه جسداهما في اتجاهين متضادين.
وبالتالي لم تر الواحدة وجه الأخرى.
اتخذت جمجمتيهما شكلا أنبوبيا، وأظهرت الأشعة تمايز مخ إحداهما عن الأخرى وإن كان شكل المخ مشوها، فالنصف الأيمن لكل من المخين بارز
بزاوية قائمة باتجاه التجويف الدماغي للتوأم المقابل.
وبالتالي يلزم ترميم الرأس ليكون أقرب ما يكون للطبيعي.
وتمثلت
الصعوبة الكبرى بالنسبة لفريق الجراحة في كيفية فصل الشبكة المعقدة المشتركة من الأوردة والشرايين، ومن خلالها يمد كل توائم الآخر بالدم.
وهناك مخاطرة كبيرة بقطع تلك الإتصالات بما يحرم المخ من إمداده ويتسبب في
سكتة دماغية.
لا تتوافر أرقام رسمية عن مدى شيوع حالات الالتصاق بالرأس، ولكن يشير أحد التقديرات إلى حالة واحدة بين كل 2,5 مليون ولادة، وأغلبها
لا تقوى على الحياة لأكثر من 24 ساعة.
وتعتبر كل من هذه الحالات حالة فريدة، ولم تجر إلا 60 محاولة لفصل توائم ملتصقة بالرأس منذ عام 1952، تاريخ أول محاولة.
يعتقد جيلاني أن العالم يشهد قرابة ست حالات ولادة توائم ملتصقة بالرأس سنويا قد ينجح فصلها.
ويعد
مستشفى غريت أورموند ستريت رائدا في هذا النوع من الجراحات، وستكون حالة صفا ومروة ثالث حالة توائم ملتصقة بالرأس يتعامل معها المستشفى، وهو عدد
أكبر من أي مركز آخر في العالم. ويدرك الفريق الجراحي من خبرته أن أفضل
النتائج تتحقق حين يجري الفصل على مراحل خلال عمليات عدة ما يسمح بالتعافي
بعد كل عملية.
وفضلا عن الجراحين وطاقم التمريض يضم الفريق
المشارك في رعاية التوأمين وعملية الفصل بينهما بمستشفى غريت أورموند
ستريت نحو 100 شخص منهم متخصصون بالهندسة الحيوية فنيون في مجال التطبيقات ثلاثية الأبعاد فضلا عن مصمم لتصور مراحل الواقع الافتراضي للحالة.
يباشر جيلاني المهام الأساسية لفصل مخي البنتين وأوعيتهما
الدموية، أما جراح التجميل البروفيسور ديفيد داناواي فيضطلع بعملية إعادة
تشكيل دماغي الفتاتين وإضافة سقف لجمجمة كل منهما.
الساعة 08:00 صباح الاثنين الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2018 وقد تجمع فريق من نحو عشرين فردا في صالة العمليات رقم 10 بمستشفى
غريت أورموند ستريت. يقوم كل فرد بالفريق بتعريف نفسه والدور الذي يتولاه.
بخطى بطيئة ستبدأ رحلة التوأمين نحو الاستقلال.
هدف الجراحة الراهنة – وهي الأولى من ثلاث عمليات رئيسية – هو فصل الشرايين المشتركة للتوأمين.
يراجع جيلاني خطة العمل للمرة الأخيرة قبل البدء، غير أن الجميع على بينة من الدور المنوط بهم، إذ استعد الفريق منذ عدة أشهر لمثل
هذا اليوم.
يقول داناواي: "راجعنا كل شيء بأدق التفاصيل المرة تلو الأخرى. جاءت ساعة الحسم ولا مجال للخطأ".
في
تلك الأثناء يجري إعداد التوأمين لصالة العمليات بأحد عنابر الأطفال. ارتدت صفا ومروة رداء العمليات ولكنهما تبكيان وتتقلبان بقلق.
يحمل فصل التوائم الملتصقة مخاطر جمة قد تودي بحياة أحد التوأمين أو كليهما خلال الجراحة أو قد تلحق بهما إصابة دماغية. لا تخفى تلك الأخطار عن
الأسرة التي أولت الفريق الطبي ثقتها التامة.
يقول جيلاني: "لا تخفى على أحد صعوبة الحياة لتوأمين ملتصقين بهذا الشكل، ولذا تهون المجازفة بعملية الفصل والأسرة تدرك ذلك".
ويقول داناواي إن الفريق أجرى تقييما دقيقا للجوانب الأخلاقية المتعلقة بالحالة.
ويضيف:
"طبعا أعتقد أن حياة التوأمين بعد فصلهما ستكون أفضل بكثير، ولو لم نعتقد بأن لدينا فرصة كبيرة جدا في النجاح لراجعنا أنفسنا قبل القيام بالعملية.
الفريق بالكامل يعتقد بإمكان فصل التوأمين بنجاح".
تقول الأم: "إن شاء الله ستمضي الأمور على خير وكُلي ثقة بالأطباء. إن شاء الله كل شيء يكون على ما يرام".
المهمة الأولى داخل صالة العمليات هي رفع ثلاثة أجزاء كبيرة من عظام الجمجمة. ارتدى جيلاني نظارات جراحية مكبرة متتبعا العلامات التي
وضعها على الجمجمة المشتركة للبنتين بعد حلاقة الشعر ليبدأ بقطع الجلد
والعظم.
وما إن ينكشف المخان، يستبدل جيلاني النظارة الجراحية بآلة أخرى أكثر دقة بكثير.
ينتصب في وسط غرفة العمليات مجهر جراحي بارتفاع سبعة أقدام ليمكّن جراح الأعصاب من فحص الأوعية الدموية متناهية الدقة.
الساعة الآن 2:30 ظهرا وجيلاني يعلن: "قمنا بسد شريان صفا الذي يزود مخ مروة بالدم والآن يتعين الانتظار".
إنها لحظة حرجة، ففي كل مرة يتم قطع إتصال ما يصاحب ذلك خطر حدوث تلف في المخ.
تمضي خمس دقائق ويقول الجراح إن المخ "لا يبدو متضررا"، ويواصل العمل.
يستمر
هذا الإجراء المعقد لعدة ساعات أخرى يتم خلالها سد الشرايين المشتركة التي تحمل الدم النقي من إحدى التوأمين للأخرى، وقطعها ثم لحمها بعناية.
في تلك الأثناء يباشر فريق ثان يتزعمه داناواي العمل على مسافة قريبة من مسرح الأحداث الرئيسي.
تتمثل مهمة فريق داناواي في تكوين هيكل صلب من الأجزاء الثلاثة من الجمجمة على
شبكة معدنية باستخدام مسامير، وهذه الأجزاء يمكن فصلها في عمليات لاحقة.
يقول داناواي إن الأمر صعب بسبب عمر التوأمين "لأنهما أكبر سنا وأكثر نشاطا ويلزم أن يكون الترميم متينا لمقاومة الحركة والشد والجذب
بالرأس".
وبينما يعمل الفريق بصبر لفصل أحد المخين عن الآخر
يستعين أفراده بغشاء من البلاستيك الطبي الناعم للحيلولة دون التحام أجزاء المخ مجددا بين العملية والأخرى. وتتم الاستعانة بما يشبه الرافعة المتصلة
بالبلاستيك لشد أجزاء المخ بالاتجاه الصحيح وتقويم وضعها تدريجيا.
وما إن ينتهي فصل الشرايين المشتركة يعيد الفريق تثبيت هيكل الجمجمة. واستغرقت العملية خمس عشرة ساعة.
تنقل البنتان للعناية المركزة، وبعد يومين تنقلان لعنبرهما المعتاد والأطباء مطمئنون للحالة.
Comments
Post a Comment